الشيخ محمد رشيد رضا

188

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لم يرسخ بالتجارب والابتلاء كما انخدع الذين تمنوا الموت من قبل أن يلقوه هذا وإن جمهور المفسرين قد جروا على خلاف ما اختاره الأستاذ الامام في هذه الطائفة فقالوا إن المراد بها المنافقون ، فهم الذين كانت تهمهم أنفسهم إذ كان هم المؤمنين محصورا فيما أصاب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم وما وقع لبعضهم من التقصير ، وكان في غشيان النعاس ونزول الأمنة على المؤمنين من دونهم معجزة ظاهرة لأنه جاء على غير العادة ، وهم الذين يظنون في اللّه ظن مشركي الجاهلية كظنهم أن ظهور المشركين دليل على بطلان دعوة النبي والمؤمنين . وهم الذين يخفون ما في أنفسهم ما لا يبدونه للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم من الكفر به ويحتجون عليه بألسنتهم بما يعتذرون به عن أنفسهم . ولكن يعارض فهمهم هذا كون الخطاب قبله وبعده للمؤمنين والكلام عن المنافقين سيأتي بعده ، وكذا قوله تعالى « وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ » فان المصائب انما تكون بعد الابتلاء والاختبار تمحيصا للمؤمنين كما قال « وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا » وبأسا وضعفا للكافرين كما قال « وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ » وتقدم بيانه ، إلا أن يجعلوا الخطاب بقوله « وَلِيَبْتَلِيَ » لمن خوطبوا بقوله « وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ » دون من خوطبوا بقوله « قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ » وان كان هذا هو الأقرب في الذكر ، ولكن هذا تفكيك وتشويش لا ترضاه بلاغة القرآن ثم إنه قد يقال : إن ظاهر الآية فيما تحكيه عن الذين قد أهمتهم أنفسهم يوهم المحال على الوجه المختار عند الأستاذ الامام ، من أنهم ضعفاء الايمان من المؤمنين ، إذ يكون مغزى قولهم : انه ليس لهم من الامر من شئ عين مغزى قوله تعالى في جوابهم « إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ » اعتذروا عن تقصيرهم بأنه ليس لهم من الامر شئ وأنه لو كان لهم منه شئ لما قتلوا هناك ، يعنى ان الامر كله بيد اللّه وتصرف مشيئته وحده وهذا عين الايمان الذي يثبته القرآن ، فكيف جعله من ظن الجاهلية ؟ ونقول : انه تعالى قد بين لنا ظن الجاهلية في قوله ( 6 : 148 سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا ؟ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ